جلال الدين السيوطي

609

الإتقان في علوم القرآن

يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [ النحل : 50 ] . والمراد بها العلوّ من غير جهة ، وقد قال فرعون : وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ [ الأعراف : 127 ] ولا شك أنه لم يرد العلوّ المكانيّ . ومن ذلك : صفة ( المجيء ) « 1 » في قوله : وَجاءَ رَبُّكَ [ الفجر : 22 ] . أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [ الأنعام : 158 ] أي : أمره ؛ لأنّ الملك إنما يأتي بأمره أو بتسليطه ، كما قال تعالى : وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [ الأنبياء : 27 ] فصار كما لو صرّح به . وكذا قوله : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [ المائدة : 24 ] أي : اذهب بربك ، أي : بتوفيقه وقوته . ومن ذلك : صفة ( الحبّ ) « 2 » في قوله : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] . فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] . وصفة ( الغضب ) « 2 » في قوله : وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [ الفتح : 6 ] . وصفة ( الرضا ) « 2 » في قوله : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [ المائدة : 119 ] . وصفة ( العجب ) « 2 » في قوله : ( بل عجبت ) « 6 » [ الصافات : 12 ] . بضم التاء ، وقوله : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [ الرعد : 5 ] . وصفة ( الرحمة ) في آيات كثيرة . وقد قال العلماء : كلّ صفة يستحيل حقيقتها على اللّه تعالى تفسّر بلازمها . قال الإمام فخر الدين : جميع الأعراض النفسانية . أعني : الرحمة والفرح ، والسّرور والغضب والحياء والمكر والاستهزاء . لها أوائل ولها غايات ، مثاله : الغضب ، فإنّ أوّله غليان دم القلب ، وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه ، فلفظ الغضب في حقّ اللّه لا يحمل على أوّله الذي هو غليان دم القلب ، بل على غرضه الذي هو إرادة الإضرار . وكذلك : الحياء ، له أول وهو انكسار يحصل في النفس ، وله غرض وهو ترك الفعل ، فلفظ الحياء في حقّ اللّه يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس « 7 » . انتهى .

--> ( 1 ) صفة المجيء صفة ثابتة للّه بالكتاب والسنة . وانظر تعليق الإمام الترمذي فيما سبق . وانظر التوحيد لابن منده 3 / 197 . ( 2 ) صفة الحب والغضب والرضا والعجب والرحمة وغير ذلك كلّها من الصفات الثابتة للّه فيجب الإيمان بها ، والتسليم . انظر تعليق الحافظ عبد الغني السابق قريبا . وانظر الأسماء والصفات 2 / 225 . ( 6 ) انظر الكشف عن وجوه القراءات 2 / 223 ، وإتحاف فضلاء البشر 2 / 408 - 409 . ( 7 ) وهذا كلام ساقط من شيخ المؤلين ، وقد ردّ عليه شيخ الإسلام ردا بليغا في كتابه الرائع الماتع « بيان تلبيس الجهمية » . -